هل يمثل التيسان قوتين داخل الإنسان، إحداهما تُقرَّب للقدس والأخرى يجب إرسالها إلى الصحراء؟
نعم، كفكرة تفسيرية ودرشية، يمكن تماماً أن نرى في التيسين قوتين داخل الإنسان.
لكن من المهم التدقيق. التوراة نفسها لا تقول صراحةً إن التيسين هما استعارة لقوتين من قوى النفس. على المستوى الحرفي للبارشاه، يدور الكلام عن نظام عبادة يوم الكيبور: تيسان يقفان أمام الله، تُلقى عليهما القرعتان، واحد لله وواحد لعزازيل، والثاني يُرسَل إلى الصحراء. أي أن هذه القراءة طبقة فكرية موضوعة فوق الآيات، لا اقتباس ولا تفسير ملزم.
والفكرة عميقة جداً.
التيسان يعلّمان أن الفرق بين القداسة والسقوط لا يبدأ دائماً من مادة مختلفة. أحياناً تكون القوة ذاتها بعينها، نفس الشدّة، نفس النار، نفس الرغبة، نفس الخيال، نفس الإرادة في كسر الحدود.
قوة واحدة في الإنسان يمكن أن تقترب من القدس: الرغبة في النجاح يمكن أن تتحول إلى رسالة. الشغف يمكن أن يصير حباً نقياً. الغضب يمكن أن يصير شجاعة في وجه الظلم. الخيال يمكن أن يصير خلقاً من القداسة. العناد يمكن أن يصير وفاءً.
لكن القوة ذاتها، إذا لم تتلقَّ توجيهاً وحدّاً ومعنى، قد ينتهي بها الأمر مرسلةً إلى الصحراء. لا لأنها تفتقر إلى الطاقة، بل لأنها طاقة بلا وجهة. نار بلا مذبح. حركة بلا بيت.
وربما هذه هي الفكرة المزلزلة: الإنسان لا يحتاج أن يقتل كل القوى العاصفة في داخله. عليه أن يميّز أيها يستحق أن يرتفع إلى القدس، وأيها يجب أن يُرسَل خارجاً.
هناك قوى تحتاج إلى إصلاح، وقوى تحتاج إلى إبعاد. هناك رغبة يمكن تحويلها إلى قربان، وهناك دافع إن تركته داخل البيت أحرق البيت.
لذلك يبدو التيسان كلحظة حقيقة داخل النفس. يقف الإنسان أمام جانبين يبدوان أحياناً متشابهين جداً، ويسأل: إلى أين تتجه هذه القوة؟ هل تقترب من الله، أم تأخذني إلى الصحراء؟
التيسان ليسا مجرد حيوانين في عبادة يوم الكيبور. كفكرة درشية، هما مرآة للنفس الإنسانية، والقوة الداخلية ذاتها يمكن أن تتحول إلى قداسة حين تُوجَّه، أو تُرسَل إلى الصحراء حين تُطلَق بلا حدود.