تفتتح العَلَاء السابعة من بَرَاشَات بْهَعَلُتخا بنهاية قصّة السلوى، ثمّ تنتقل إلى وصف الوباء الفظيع الذي نزل في أعقاب الطمع باللحم، وتصل إلى ذروة درامية أخرى: نازلة وشاية مريم وهارون على موسى.
هذه واحدة من أقوى العَلاءات في كلّ التوراة. تتناول مسائل الأخلاق، والقيادة، والقداسة، والشهوة، والتواضع، والنبوّة. لنغُص في عمقها:
الطمع باللحم وضربة النار
“فْروَح ناسَع ميإيت أدوناي فَيَّغاز سَلفيم مِن هَيّام…” (ومضت ريح من عند الله، فحملت السلوى من البحر) - العَدَد ١١:٣١.
نال الشعب ما اشتهى: لا منّاً بل لحماً. لحماً وفيراً. “فَيِشطْحو لاهيم شاطُوَح سْفيفُت هَمَّحَنيه” (وبسطوها لأنفسهم بسطاً حول المحلّة). لكنّها لم تكن هديّة بل امتحاناً، وسرعان ما تحوّل ذلك إلى عقاب:
“هَبّاسار عُديننو بين شِنّيهيم… فَيَّخ أدوناي باعام مَكّا رَبّا مْأُد” (اللحم لا يزال بين أسنانهم… وضرب الله الشعب ضربة عظيمة جدّاً).
الشهوة، حين تنفصل عن الامتنان، عن تأمّل المثال، عن الفهم الإلهيّ، تُنجب قبراً:
“قِفروت هَتَّأَفا” (قبور الشهوة).
ما أوقع هذا الاسم على مكان. وما أرمزه: لا قرية، ولا واحة، ولا خلاص؛ بل قبر. وفيه دُفن لا المشتاقون فقط، بل أيضاً إمكانية الحياة بـ إيمان بسيط واطمئنان.
الوشاية والضربة على النبوّة
ومن هناك تتبدّل القصّة فجأةً، بلا إنذار، بلا تمهيد:
إنّها لحظة نادرة في التوراة يُكشف فيها خلاف داخليّ في صميم قيادة إسرائيل. لسنا أمام أعداء، بل أمام أخ وأخت. ومن أين يبدأ الخلاف؟ من أمر يبدو هامشيّاً: بسبب المرأة الكوشيّة التي اتّخذها موسى.
إنّه نزاع على المرتبة، والإلهام النبويّ، والتمييز بين الأنبياء. ويردّ الله، لكن ليس بصمت ولا بالطريقة المعتادة. فجأةً، بلا تمهيد، دفعة واحدة، يدعوهم إلى الخروج:
“بِتأُم إل موشيه فأل أَهَرُن فأل مِريام صْأو شْلَشتْخيم…” (فجأةً، إلى موسى وإلى هارون وإلى مريم: اخرجوا ثلاثتكم).
وحين يقف في السحاب يؤكّد الله: في النبوّة درجات. وأمّا موسى:
“بْخُل بيتي نِأمان هو… بِه إل بِه أدَبِّر بو…” (في كلّ بيتي هو أمين… فماً إلى فم أتكلّم معه).
تبلغ الذروة حين تُعاقَب مريم بالبَرَص. وردّة فعل موسى لا تتأخّر للحظة. لا ينتقم، لا يتّهم، بل يصرخ:
“إيل نا رْفا نا لاه” (يا الله، اشفها أرجوك، أرجوك).
خمس كلمات لا أكثر. صلاة قصيرة باتت رمزاً لرفع الصلاة عن الذي آذاك.
تأمُّل للأسبوع
العَلَاء السابعة درس بليغ في حدود الشهوة، وقوّة اللسان المدمِّرة، ومع ذلك أيضاً في سموّ روحٍ وتواضع لا مثيل لهما. موسى الموصوف هكذا:
“فْهاإيش موشيه عاناف مْأُد مِكُّل هاأدام…” (وكان الرجل موسى متواضعاً جدّاً، أكثر من كلّ إنسان…).
هو الذي يكشف لنا ما هو التواضع الحقيقيّ: ليس أن تُلغي نفسك، بل أن تعرف موضعك وتعمل بتواضع تامّ حتى وأنت تعلم أنّك أعظم بني الإنسان.
الرسالة قاطعة: التواضع الحقيقيّ ليس انكماشاً، بل أن تحمل ذاتك بكامل قامتك، دون أن تنتقص من غيرك.